وهبة الزحيلي

305

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

إخلاص العبادة للذي خلقني ، وإليه المرجع والمآل يوم المعاد ، فيجازيكم على أعمالكم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر . وفي هذا ترغيب بعبادة اللّه وترهيب من عقابه ، ثم أكد سلامة منهجه وتقريعهم على عبادة الأصنام ، فقال تعالى : أَ أَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً ، إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً ، وَلا يُنْقِذُونِ ؟ هذا استفهام إنكار وتوبيخ وتقريع ، يراد به : لن أتخذ من دون اللّه آلهة ، فأعبدها وأترك عبادة من يستحق العبادة ، وهو الذي فطرني وخلقني ، فإنه إن أرادني الرحمن بسوء لم تنفعني شفاعة هذه الأصنام التي تعبدونها ، ولا تخلصني من ورطة السوء ، فإنها لا تملك من الأمر شيئا ؛ إذ إنها لا تملك دفع الضرر ولا منعه ، ولا جلب النفع ، ولا تنقذ أحدا مما هو فيه . إِنِّي إِذاً لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي إن اتخذت هذه الأصنام آلهة من دون اللّه ، فإني في الحقيقة والواقع في خطأ واضح ، وجهل فاضح ، وانحراف عن الحق . وهذا تعريض بهم ، ثم صرح بإيمانه تصريحا لا شك فيه مخاطبا الرسل : إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ أي إني صدقت بربكم الذي أرسلكم ، فاشهدوا لي بذلك عنده . روي عن ابن عباس وكعب ووهب رضي اللّه عنهم : أنه لما قال ذلك ، وثبوا عليه وثبة رجل واحد ، فقتلوه ، ولم يكن له أحد يمنع عنه . وقال قتادة : جعلوا يرجمونه بالحجارة ، وهو يقول : اللهم اهد قومي ، فإنهم لا يعلمون ، فلم يزالوا به حتى مات رحمه اللّه . وكان من حبّه لهدايتهم : قِيلَ : ادْخُلِ الْجَنَّةَ ، قالَ : يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ ، بِما غَفَرَ لِي رَبِّي ،